مجموعة مؤلفين

237

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

إلهية في مستوى « الأنولوجيا » فيجب القطع أيضا بأن ثمة وحدة وجودية مطلقة في مستوى « الانتولوجيا » : وذلك للسبب عينه . ولكن ، ما معنى هذا الوجود الذي يرون وحدته ؟ يجيبنا أنصار التوحيد الوجودي بما يلي : إن فكرة الوجود ينبغي أن تلحظ من جانبين ، وبالتالي أن تفهم على معنيين متميزين . فيجب أن نلاحظ الوجود أولا من حيث مظاهره الخارجية ، وثانيا من حيث هو في حقيقته الذاتية . ففي الاعتبار الأول ، الوجود هو بمعنى « الإيجاد » . أي هو الفعل المبدع الخلّاق الذي تتحقق به الموجودات كلها في صورها الوجودية ، شخصية كانت أو نوعية ، ابتداء من المادة الصماء حتى الروح الأعظم . فكل ما في العوالم من كائنات منظورة وغير منظورة ، هي مظهر لهذا الوجود ( - الإيجاد ) الواحد وأثر من آثاره . وهذا الإيجاد ينتظم الموجودات جميعا من سائر أقطارها : ظاهرا وباطنا ، كلا وجزءا ، حقيقة وعينا . إنه كل شئ فيها ، إذ لا شئ منها أجنبىّ عن أثره وتأثيره . ومع ذلك ، فهذا الإيجاد متميز تماما عن الموجودات بأسرها ، من حيث ماهياتها ووجودها : إنه واحد ، وهي متعددة ؛ قديم ، وهي حادثة ؛ سرمدي ، وهي متطورة ؛ خالق مبدع ، وهي مخلوقة مبدعة . . . فوحدة الوجود ، على هذا المعنى الخاص ، هي وحدة إيجاد فحسب ؛ ومن ثمّ ، لا تعارضها كثرة الموجودات الحادثة ولا تنفيها ، بل تثبتها وتبقيها . وعمل الإيجاد هو دائما في وحدته وبساطته ونزاهته ، مهما تعددت آثاره الخارجية ، وتنوّعت مظاهره الوجودية . أما الوجود على الاعتبار الثاني ، أي الوجود من حيث هو في حقيقته الذاتية ، وبقطع النظر عن تعيناته الخارجية ، فهو المطلق الذي لا بشرط شئ . إذن ، هو غير الوجود الذهني وغير الوجود الخارجي ، إذ كلّ منهما أثر من آثاره ، ومظهر من مظاهره . وهو أيضا لا يمكن أن يكون مقيدا بالإطلاق كما هو مطلق عن التقييد وفي التقييد . . . وليس بكلىّ ولا جزئىّ ، ولا عام